وهبة الزحيلي

20

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ليس هو الواقع ، وإنما ختم اللّه عليها بسبب كفرهم بعيسى ومحمد عليهما السّلام ، فلا يصل إليها نور الهداية كالنّقود المسكوكة لا تقبل نقشا آخر ، فهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا من بعضهم مثل عبد اللّه بن سلام وأصحابه . وكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل واتهام مريم البتول العذراء بالفاحشة ، ورميهم لها برجل صالح فيهم هو يوسف النجار ، وهذا بهتان عظيم وكذب مفترى يدهش البريء ، وزعمهم أنهم قتلوا عيسى ابن مريم ، ووصفوه بأنه رسول اللّه تهكما واستهزاء بدعوته ، ووصفه القرآن بأنه : ابن مريم للرد على النصارى القائلين بأنه ابن اللّه . ورد اللّه عليهم : والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه كما ادعوا ، ولكن ألقى اللّه الشبه على رجل آخر فصلبوه ، وما قتلوه يقينا أي متيقنين أنه عيسى ذاته بعينه ؛ لأن الجند الذين قتلوه وصلبوه ما كانوا يعرفونه ، والمعروف في الأناجيل أن الذي أسلمه إلى الجند هو يهوذا الأسخريوطي . وإن اختلفوا في صلب المسيح ، أهو المصلوب أم غيره ؟ لفي شك وتردد من حقيقة أمره ، وليس لهم علم يقيني مقطوع به ، وإنما هم يتبعون الظن والقرائن والأمارات غير المؤدية إلى الحق . وإنما أنجاه اللّه من أيدي اليهود ورفعه إليه ، كما قال تعالى في سورة آل عمران : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ آل عمران 3 / 55 ] قال ابن عباس : إني متوفيك أي مميتك . وقال وهب : أماته اللّه ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه . وقال ابن جرير : توفيه هو رفعه « 1 » ، وقال الأكثرون : المراد بالوفاة هاهنا النوم ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام 6 / 60 ] وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر 39 / 42 ] . قال الحسن البصري : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) تفسير الطبري : 3 / 203 وما بعدها .